يوضح تقرير رويترز المنشور عبر جيروزاليم بوست أن القاهرة دخلت مرحلة أكثر انخراطًا في الحرب الأهلية السودانية، بعد رصد نشر نموذج متقدم من المسيّرات القتالية التركية في مطار ناءٍ قرب الحدود الجنوبية الغربية لمصر.

 

ويرى مسؤولون وخبراء إقليميون أن هذه الخطوة تشير إلى تصعيد نوعي يجرّ أكبر جيران السودان إلى قلب الصراع، في لحظة حساسة اتسعت فيها رقعة الحرب وسقطت عشرات الآلاف من الضحايا وتشرد الملايين.

 

يذكر التقرير أن مصر قدّمت دعمًا سياسيًا ثابتًا للجيش السوداني في مواجهته المستمرة منذ قرابة ثلاث سنوات مع قوات الدعم السريع، لكنها تجنبت طويلًا التدخل المباشر. تغيّر هذا النهج مع تحقيق قوات الدعم السريع مكاسب ميدانية خطيرة في دارفور، شملت السيطرة على مثلث حدودي حساس مع مصر وليبيا في يونيو، ثم إسقاط آخر معاقل الجيش في الإقليم بمدينة الفاشر في أكتوبر، ما دفع القاهرة إلى إعادة تقييم حساباتها الأمنية.


دوافع التحول المصري


تفيد مصادر أمنية مصرية بأن الرئاسة ربطت أمن السودان مباشرة بالأمن القومي المصري، ورسمت «خطوطًا حمراء» تشمل الحفاظ على وحدة الأراضي السودانية ورفض أي كيانات موازية تهدد الدولة. ومع تقدّم قوات الدعم السريع غربًا ووسطًا، تصاعد القلق في القاهرة من ارتدادات الفوضى عبر حدود تمتد لأكثر من 1200 كيلومتر، ومن تدفقات السلاح واللاجئين، ومن تحوّل المثلث الحدودي إلى ممر إمداد يعزّز خصم الجيش السوداني.


وتؤكد صور أقمار صناعية من شركات أمريكية وجود مسيّرات بيرقدار أقنجي في مطار شرق العوينات منذ سبتمبر وديسمبر ويناير، مع مؤشرات على تشغيلها. ويشير خبراء عسكريون إلى أن خصائص البدن والجناحين تُطابق هذا الطراز، الذي يتمتع بقدرة تحليق طويلة وارتفاعات عالية وحمولة ذخائر متنوعة، ما يمنح مستخدمه تفوقًا عملياتيًا في الاستطلاع والضربات العميقة.


مشهد إقليمي متشابك


يزداد تعقيد الحرب السودانية مع انخراط أطراف خارجية متعددة. تتهم تقارير أممية الإمارات بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح، وهو ما تنفيه أبوظبي، بينما يحصل الجيش السوداني على دعم سياسي من السعودية وقطر ويشغّل مسيّرات تركية وإيرانية. وتشارك مصر، إلى جانب السعودية والإمارات والولايات المتحدة، في «رباعية» حاولت التوسط لوقف إطلاق النار دون نجاح يُذكر.


وتنقل رويترز عن مسؤولين أن مطارين جنوبيين في مصر تلقّيا تجهيزات عسكرية خلال الأشهر الماضية لتأمين الحدود وتنفيذ ضربات دفاعًا عن «الأمن القومي». كما تُظهر بيانات تتبع الرحلات أن شحنات جوية قادمة من تركيا هبطت في شرق العوينات، بعضها بطائرات شحن تابعة للقوات الجوية التركية انطلقت من مدينة تُختبر فيها مسيّرات أقنجي، ما يعزّز فرضية تسليم وتشغيل هذه المنظومات.


شرق العوينات: قاعدة تتحول


يقع مطار شرق العوينات في منطقة زراعية نائية على مسافة نحو 60 كيلومترًا من الحدود السودانية، وكان يخدم مشروع استصلاح صحراوي قبل الحرب. غير أن صورًا حديثة تُظهر أعمال تطوير شملت إعادة رصف المدرج وتوسيع طرق خدمية وبناء منشآت صغيرة، مع ظهور معدات دعم وتحميل حول الطائرات، ما يرجّح الاستخدام العسكري النشط. ويقدّر خبراء أن وجود مسيّرات أمام عدة حظائر يشير إلى أكثر من طائرة قيد التشغيل أو التخزين.


وتزعم قوات الدعم السريع أنها تعرّضت لضربات متكررة بمسيّرات أقنجي وأسقطت عددًا منها منذ يونيو، كما تداولت مقاطع تُظهر حطامًا يُعتقد أنه لهذا الطراز قرب نيالا. ورغم تعذّر التحقق المستقل من التوقيت والجهة المشغلة، يرى محللون أن إسقاط الفاشر شكّل نقطة تحوّل دفعت القاهرة إلى تشديد موقفها بعد مرحلة اتسمت بالغموض.


حسابات القاهرة بين الشركاء


يشير باحثون إلى أن الجيش المصري لا يكنّ أي تعاطف لقوات الدعم السريع، لكنه يوازن ذلك مع اعتماده المالي على الإمارات، الداعم الرئيسي لتلك القوات وفق اتهامات أممية. ومع سقوط الفاشر وما رافقه من اتهامات بفظائع واسعة، مال الميزان في القاهرة نحو إجراءات أكثر صرامة. ويضيف مراقبون أن تحركات سعودية لكبح نفوذ إماراتي في ملفات إقليمية أخرى ربما شجّعت مصر على رفع سقف التدخل في السودان.


في المقابل، تؤكد أبوظبي أنها تعمل مع شركاء إقليميين، بينهم مصر والسعودية، لدعم مسار وقف إطلاق النار، وتقول إن قراراتها تميل إلى ضبط النفس. غير أن الوقائع الميدانية، كما يرصدها التقرير، توحي بأن الصراع يتجه إلى مزيد من العسكرة، مع اتساع استخدام المسيّرات وتزايد الاستقطاب الإقليمي.


يعكس نشر المسيّرات التركية من الأراضي المصرية انتقال القاهرة من الدعم السياسي إلى انخراط عملي أعمق، مدفوعًا باعتبارات حدودية وأمنية بعد تغيّر موازين القوى في دارفور. ومع تعدد الفاعلين الخارجيين وتضارب مصالحهم، يبدو أن الحرب السودانية تدخل فصلًا أشد تعقيدًا، حيث ترفع التكنولوجيا سقف الصراع وتضاعف مخاطره على الاستقرار الإقليمي.

 

https://www.jpost.com/middle-east/article-885408